محمد بن أحمد النهرواني
198
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
وقلع ذلك الكافر قبة زمزم ، وباب زمزم والكعبة ، وأقام بمكة أحد عشر يوما ، وقيل : ستة أيام ، ثم انصرف إلى بلد هجر ، وحمل معه الحجر الأسود يريد أن يحول الحج إلى مسجد الضرار الذي سماه « دار الهجرة » ، وعلته في الأسطوانة السابعة مما يلي صخر الجامع من الجانب الغربى من المسجد ، وبقي موضع الحجر الأسود من البيت الشريف خاليا يضع الناس أيديهم فيه ويلتمسون تبركا بمحله . وأمر هذا الفاجر أن يخطب بعبيد اللّه المهدى أول الخلفاء العبيديين الفاطميين ، وكان أول ظهوره فبلغ عبيد اللّه المذكور ذلك فكتب إليه : « إن أعجب العجاب إرسالك - بكتبك - إلينا مهيبنا بما ارتكبت في بلد اللّه الأمين من انتهاك حرمة بيت اللّه الحرام الذي لم يذل محترما في الجاهلية والإسلام ، وسفكت فيه دماء المسلمين ، وفتكت بالحجاج والمعتمرين وتعديت وتجرأت على بيت اللّه تعالى وقلعت الحجر الأسود الذي هو يمين اللّه في الأرض يصافح به عباده وحملته إلى منزلك ورجوت أن أشكرك على ذلك ، فلعنك اللّه ثم لعنك ثم لعنك والسلام على من سلم المسلمون من لسانه ويده ، وقدم في يومه ما ينجو به في غده . فلما وصل كتاب عبيد اللّه المهدى إلى طاهر القرمطي وعلم ما فيه انحرف عن طاعته واستمر الحجر عندهم أكثر من عشرين سنة ، يستجلبون به الناس طمعا أن يتحول الحج إلى بلدتهم - وبأبى اللّه ذلك - والإسلام وشريعة محمد ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) ، وهذه من أعظم مصائب الإسلام وأشدها وهنا في الدين من أولئك الكفرة اللئام ذابت لها أكباد العباد ، وعمت فتنتها في الحاضر والباد إلى أن دمر اللّه تعالى تلك الطائفة القاهرة وابتلى أبو طاهر النجس هذا بالأكلة ، فصار يتناثر لحمه بالدود ، ومات أشقى ميتة إلى دار الخلود وتعذب بأنواع البلاء في الدنيا : وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى « 1 » . ولما أيست القرامطة من تحويل الحجاج حجهم إلى هجر ردوا الحجر الأسود إلى محله .
--> ( 1 ) الآية رقم 127 من سورة طه ، مكية .